الخميس، 17 فبراير 2011

أمُّ الطّيبين!




أمُّ الطّيبين!
علي عميص




مثلما يتلبّد الجوّ بالغيوم وتتفاعل فيه الذرات الهوائية ثم ما تلبث أن ترعد وتبرق حتى تهطل الأمطار، كذا نواحي قلبي الذي تتمخّض فيه - الآن - ذكريات عاصفة بفعل رياح الغربة التي هبّت عليّ هذه المرّة (ستمائيّة لا شرقيّة ولا غربيّة) بعدد الأيام التي مرّت على سلخي عن لحمي ودمي، عن أم الطيبين وأمي..!

يا دليلي إلى نور (المعنى)!! يا بريق العواطف يلمع في عينيك، ينطلق سهاماً عشقيّة تجتاح تلابيب القلوب، تشهد أن الله حق، وأن الوجود يبقى جميلاً، وأن أثيراً تنتشر فيه نسائم الإيثار يغدو جليلاً.

قبسات من سنى أمومتك العظيمة أتتني زائرة هذا المساء، كيف أنت يا ساهرة على راحة البؤساء.. لا تنام!

كنت أسألني، ما لك وقصّة ذاك الإنسان الذي قال التلفزيون إنه هجر عائلته لعشرين عاماً، ولم يسأل لماذا بكيته؟.. كم كنت (قزم) التفكير إذ لم أدرك يومها أن تلك (الحالة) تكون أنا أو يمكن أن تكون! وأن قصة كل إنسان هي قصتنا نحن أبنائك المعنيين - كما تفعلين - بليس أقلّ من أحزان الكرة الأرضيّة.

كنت تحضرين (نشرة الأخبار) - على الجثث التي فيها - لا لأنك تهتمين بالسياسة أو بأولئك الذين يستقبلون ويودّعون.. بل لأنك حريصة على أن تحفظي لابنك أخبار الساعة الثامنة كلّما كان غائباً لتُسمّعيها له عندما يعود!.

أذكر يا أماه (درع الحب) الذي ضربته من حولي، أطبقته حتى على (زين العابدين) ابن عمي الصغير الذي كان يزورني يومياً لنلعب معاً فتتصدّى له على الباب وتعبسين بوجهه وتنهرين ذاك الطفل الأرعن كي يخاف ويهرب، فإذا ما استقوى بصداقتي ضعفت أمامه ورفعت له الحاجز، ولكن أنّى له أن يدخل لي! كنت تأخذينه إلى أي أحد إلا أنا، المخصص أولاً كما ترغبين للشؤون الدراسيّة!

تحرقين دمك وشبابك كُرمى لعيون الأبناء الخمسة، وما تبقى في هذا العالم من معنى وروح.. أما أنا الذي كان يبخل عليك - ابتزازاً - بتوصيلة صغيرة في السيارة للقيام بواجب اجتماعي أو حتى (بحبّة بنادول) تطلبين إحضارها من الصيدلية، كنت صبياً طائشاً ليس يعرف ما أمامه من كنوز هي أنت.. وتعلمين عنادي!

من وراء الكواليس تحدّيتني أن أكون مُحباً ونجحتِ - يا لروعتك - (لي)، فهاأنذا (ابنك) أهجم كلّما لاحت لي تلك الوصيّد - أمك، ثم أمك، ثم أمك - أعرف أنها قضيتي وأنك مهمتي، ثم لا ألبث أن أخافَ وأتردد لأن معركة الرد على هجوم حنانك قدرها هزيمتي، فأنا من جبلتُك صُنعت.. هاتفيني عبر صلاتنا واذكريني.. سامحيني، وإن كنتِ - الآن - بعيدة عن مرآي..

كلما زار الرقاد محاجري في المنام، كلما جالستُ إنساناً تواريت أنتِ خلف الكلام، وكنتِ الضمير المستتر الذي يبعث في الحروف كل صدق واحترام..

ربما تجمعنا الأيام، وتنسيني ذات صبحٍ قريب وحشة حياتي الإفراديّة هنا، لحظة أرى بريق عينيك وأسمع نبرة لكنتك الأعجمّية.. ولست أبالي ببعد المسافات التي عليّ أن أقطع، أنت مشواري في هذه الحياة، فهل أصل إليك ذات يوم؟!

كاتب وصحافي لبناني
omaisali2000@gmail.com

حاسوب القرية .. امرٌ ونهيُ وأفعال أسطوريّة !



حاسوب القرية .. امرٌ ونهيُ وأفعال أسطوريّة !

الكاتب: علي عدنان عميص

أسوة بأخواتها في كل الأنحاء ، كانت قريتنا وادعة ، هادئة ، هانئة ، ما برحت رغم " تفتّح " البشر تكتنز حظاً وافراً من أريحيّة العلاقات الإنسانيّة ، أطفالها يلعبون على البيادر ، قرب الجداول الرقراقة وفي الأزقّة والطرقات ، يتعاركون ويضحكون .. رجالها يتزاورون ، نساؤها يتحلّقن حول فنجان القهوة ،يملئن الدنيا قيلاً وقال ! الديك كان صيّاحاً وقطعان الماشية تمضي مسرعة عند كل صباح لتلتهم الأعشاب في الحقول، وتعود في المساء تمشي الهوينى بعد أن أرختها التخمة وأتعبها طول المسير. وكانت الطبيعة مدرسة، الطيور لدرس الحريّة، وسنابل القمح لمجد الكادحين، أما تلك الأشجار على قمم الجبال فلرسم الجمال في نفوس الناظرين.. لكن الذي حصل فيما بعد كان إنقلاباً في المشهد الوجداني ، فمنذ عقد ونيّف ، لا أدري من ذاك الذي استقدم إختراعاً تحار له الألباب ، قالوا إسمه " كومبيوتر " ، أدخلوه على أنه ضيف جديد وراحوا يتكلمون عن أصله وفصله وأفعاله الأسطوريّة ، والحق أن ضيفنا لم يكن _آنذاك _ غير ذلك بالنسبة لنا نحن اليافعين ، بدى أنه أرقى ذكاءاً من البشر ، فهو يحل معادلات الرياضيات والفيزياء والكيمياء ، بل إنه يضع في تصرفنا كل علوم الأرض ، ويختصر التاريخ في قرص مدمّج ! وهو إلى ذلك مصدر مرح وتسلية ، مفعمٌ بالألعاب ، يجعل الأحلام في قبضة اليد كلّما لامست الأصابع لوحة الأزرار ! أيّام.. وأنسانا هذا الوافد إلينا من بلاد بعيدة الكثير عن أنفسنا ، واختلس منّا زمن البساطة ، ومشى بنا كما يشاء! سكن خلايانا وألهانا ، فلا رياضة ولا تسكّع على الطرقات ، ومشاوير الغروب فقدت إغراءها ، حتى الزيارات ما عادت " واجباً " ، فأهلاً بأي صديق أو قريب شرط أن يأتي هو إليّ أنا المتسمّر دائماً _ هنا _ أمام شاشة محبوبي العجيب ! وتستمر" فتوحات " الكمبيوتر فيدخل مجاهل أفريقيا ويلبي نداء غابات الأمازون العذراء ، تستقبله قبائل الأسكيمو في القطب المتجمد الشمالي ، الكل ينبسط له ، يعامله بدلال ، حتى لكأنك تراه يضحك في سرّه على الإسكندر المقدوني وجنكيز خان ونابليون بونابرت ، يقول لهم " ركبتم البر والبحر وسقطت في قبَضاتكم دُول ، لكنّ بطولاتكم زالت معكم أو بعدكم في بضع سنين ، أماّ أنا فقد ملكت القلوب والعقول ، أنا حاجة يصبو إليها الناس ، تناديني البشريّة وتلحُّ عليّ :" أين أنت تعال ! " وتمضي السنون ، فنصل إلى حالة الإندماج الكلّي مع الكمبيوتر ، وإنك لتسمع واحدنا يقول : " قد أصبر على بُعد الغوالي _ الأم والأب والصاحب والولد _ لكن سلخي عن هذا الجهاز مُحال ! ، إنه حاضري وغدي وأنا بعيداً عنه لست سوى صفراً من الأصفار ! والحال .. من ذا الذي كسا "ضيفنا" التقني هذا سطوة كبار الفاتحين ، فاستحوذ علينا وجنّدنا في عالمه المعلوماتي ثم سيّرنا " آلاتاً " على نسقه ، وأعاد برمجة الرغبات لدينا ، فبعد أن كنّا نرتمي في أحضان طبيعتنا ونهيم بجمال قريتنا ، إذا بنا نكتفي اليوم باستراق النظر إلى تلك الذاكرة عبر صور نحتفظ بها على شاشة تقاس أبعادها بالبوصات الباردة ! يومنا صارعملاً لا ينتهي في عوالم بلا حدود .. والعمر يمضي وقد هلّت بشائر المشيب ونحن لا نزال وراء قضبان الكومبيوتر ،" نفنجر" أعيننا ، لا نعدّ المساءات ، ونحيا مع هذا " المحبوب " في نعيم مقيم !!

تعريف بمجلة SmartCity

حكايتي الفيروزية .. حبة لوز مُرّة !






حكايتي الفيروزية .. حبة لوز مُرّة !
علي عميص ــــ الرياض: غربتي حبّة لوز مُرّة .. أن تكون بعيداً عن حكايتك الفيروزيّة التي إستحالت أسطورة في أطياف خيالك لا تبارحه، حبّة لوز مرّة .. أمّا الموقف السريالي فأن تقرر العودة لتعيش أحداث الحكاية بعد طول تخطيط وتصميم، ثم ما إن تدوسّ قدماك تراب البلد حتى يمور تحت نيران العدوان الإسرائيلي ! من أين طبّ كل هذا " الموت " علينا دفعة واحدة ؟ تباً !
نزقٌ ما أصابني على متن الطائرة، شعور بفائض هائل في ميزان العواطف، كتيبة من مضيفات رفيعات الطراز يحكمن عليّ الحصار، يرشقنني برصاص البسمة وعلى محيّاهن ألحاظٌ كأسياف تنادي 00 على عاصي الهوى الله أكبر!

ولمّا بلغت مطار بيروت كان الصاروخ الذي في بالي أمام عيني فيما بدا هديّة من السماء لي، أدرت الأمر في رأسي طلوعاً ونزولاً فخلصت إلى نتيجة مفادها أن الإجازة هذه "عاصفة " الملامح، هنيئة، منعشة، دافئة !

ووصلنا ..

هنا القرعون، بلدة لولا عبود، وجارة قمر مشغرة ، وهذا الراديو الذي في السيارة، عبره يتحدث المذيع من إذاعة لبنان الحر ويقول في خبر عاجل أن حزب الله أسر جنديين إسرائيليين، صديقي وأنا إنبسطنا ورحنا نتفلسف في السياسة، كيف أن هذه الخطوة ستقوي موقف الحزب، وكيف أن نجاح العمليّة سيدعم موقف الفلسطينيين المحاصرين في غزة ورام الله، لم يخطر في بالنا أن الأيام القادمة ستكون كابوساً على الجميع وأن كل ما حكيناه في السيارة كان نشازاً وخروجاً عن لحن الموت الموعود!

توالت الأحداث بسرعة الناس الذين يموتون ويألمون ويحزنون ويصمدون ويقاتلون وينتصرون بيننا اليوم، هؤلاء الذين هم ملح الأرض يمشون هنا في شوارع بلدتنا وعلى" كورنيش الضيعة " الذي أمسى أشبه بكورنيش عين المريسة لكثرة " الكزدرجيّة " في فترة ما قبل الغروب، هنا الجو - وإن كان مشحوناً بالقلق - إلاّ أنه يوحي بالحياة، عجقة شباب ونراجيل يتوسطهم بيّاع العرانيس " الذرة "، دردشة مفتوحة وسيارات تمشي الهوينا، تتحدّى كل من أراد لها إقامة جبريّة في الكاراجات !

الأخبار تشيع الأحزان، موجة إجلاء الرعايا عمّت كل الأنحاء، وجُل المغتربين لملموا أغراضهم، عادوا على وجه السرعة من حيث أتوا، كل بيت تدخله ترى في ما وراء الوجوه خوفاً على شيء ما، هو وطن، ولد، بيت 00 التلفزيونات قبلة الأنظار وما تنقله من أحداث مدخل لكل حديث! أما في الوقائع 00 إمرأة من بلدة بلاط تقود سيارتها مع قريبتها وأبنائها الصغار تقف بجانب المدرسة المغلقة، تبكي حالها ولا تعرف إلى أين تذهب !

وتلك المرأة القادمة من الخيام دخلت لتجري إتصالاً من المستوصف مع من بقي من عائلتها هناك، عن آخر الأخبار تسأل : يجيبونها بلا مقدمات 00 زوجها، إبنها، صهرها، صاروا شهداء 00 تسقط المرأة في نوبة من صراخ وتنهار 00

وأم عبّاس التي عبَرت في الوقت الفاصل ما بين صاروخ وصاروخ من يارون الحدوديّة إلى البقاع الغربي ، حكت عن رحلة الذعر00 وكيف خرجت من بيتها مع أولادها بعد أن سقط صاروخ قربه ، توجهت إلى المسجد فإذا بصاروخ آخر يسبقها إليه 00 إذاً لا أماكن آمنة وعلى الكل أن يغادر، وفي لحظة نظرت أم عبّاس أمامها لترى سيارة، حركتها وإتجهت بها نحو صور ، تركت السيارة هناك وجاءت إلى بيت والدها " الآمن "، لكن إبنها عبّاس ظلّ يخوض معركته مقاتلاً على الخطوط الأماميّة، وعبّاس هذا الذي أجرى عدّة دورات تدريبيّة في إيران فريد من نوعه، يكفي أنه قال لزوجته ليلة زفافه بالذات :" إسمعي، ربّما تصبحين أرملة في وقت قريب! "

صمد عبّاس وعاد إلى قواعده العائليّة سالماً، زارنا بعد يومين من وقف " الأعمال العدوانيّة " مهندَماً معطّراً كأنه قادم من بلاد العم سام، زارنا منتصب القامة مرفوع الرأس كأي محارب منتصر قادم من جنوب لبنان 0

وعندنا داخل جدران المنزل، أبي يحب السيد حسن وعمامته وصواريخه وسياسته وساحته، تعارضه بشدّة أختي الحريريّة الصغيره، يُجمع الطرفان على حنكة نبيه بري ودولته، لولا الرئيس بري لما كان في بيتنا " وحدة وطنية " !00

أمّا أمي التي لا تريد إلاّ أن نحيا بأمان ، هجست بجملة واحدة "عليك أن ترحل "، هي التي ضبّت لي الشنطة وقالت لي سافر !

*** *** *** لبنان أدب هوميروسي، إلياذة وأوذيسّة في آن معاً، فعل موت وقيامة، و ليس اللبنانيون سواء 00 منهم من يحيا اليوم في كوخ الألم 00 ومنهم من يبدع في علك الكلام الفارغ على رنّة العود وعزف الكمنجة 00 آخرهم من يروّج لسيادة سطحيّة على الطريقة التي تروج فيها المافيا المخدرات 00!

ولمّا كانت فيروز " المعنى" قد أحبت لبنان وغنّت لمن يبقى ومجّدت حتى العذاب فيه، فإن طردنا من لبنان عذاب !

نهاجر - ولا نشكو - لأن منّا من لا يريد أن يكون فداء لهذا " الزعيم " أو ذاك، لا بالدم ولا بالروح ولا حتى بالإصبع ولا بالظفر ولا بأي شيء آخر !

لا العنزة ظلّ لها مرقد في هذا البلد، ولا نحن لنا مقعد، ولا كرامة لنبيّ في وطنه •

omaisali2000@gmail.com

جوّال على سطح القمر



جوّال على سطح القمر
الكاتب: علي عدنان عميص

امسك الجوال بيدك وانظر إليه، اركب جواد المجهول واطلق العنان لخيالك، وعلى تخوم الدهشة اضغط على زر الدخول (إنتر)، أنت الآن في زمن (التقنية)...
صور تتراءى لك من كل حدبٍ وصوبٍ، أشكال وأصوات، رنّات وعبارات، جمال وقبح، مشاعر إلكترونية فيها الفرح والأسى، تناقضات متشابكة تلتم بما يشبه الحلم، واختراعات متناثرة تدنيك من مذاق (اللذة) في العلم، كل الغرائب أمام ناظريك، أحلم أم علم؟ أيعقل أن يكون هذا هو الهذيان؟
لا ياعزيزي.. في عالم العلوم كل شيء (واقع)، فلا مستحيل هنا تحت الشمس! حقاً عجيب هو ذاك التطوير الذي بلغته تقنيّة (الجوال) في وقتٍ قياسي، فالذي توصّل -مثلاً- إلى قناعة يستحيل بموجبها إدارة شركاته العملاقة بغير ركيزة الكمبيوتر وشبكة الإنترنت، ربّما صار عليه أن يعد في نفسه العدّة لاستبدال هذا كلّه بأجهزة الجوال التي في طريقها لاختصار الكل في جهاز واحد لا يزيد حجمه على السنتيمترات.
والحال هذه ربّما يصير باستطاعة المديرين الكبار - ولو بعد حين- أن يقوموا بمعظم أعمالهم وهم على شاطئ البحر أو في السيارة أو حتى في صالون ما يرتشفون القهوة وذلك بمجرد كونهم يحترفون الضغط على الأزرار..
أجل.. إنه قد تبدّل الزمان وأساطير الأولين وكثير من الحكايات الخياليّة في عصر مضى صارت تروى اليوم اختراعات وحقائق علميّة!
وآخر الخيال أوّله.. أسبق أن تصورت نفسك (سوبرمان) تطير في الهواء فوق السحاب وفي يدك هاتف جوال تتحدث من خلاله إلى من تشاء، أو أنك على سطح القمر في جلسة سمر، تهتف عبر جهازك:
كيف أنتم يا سكّان الأرض؟
إنّ كل هذا ليس على (الإبداع) بعزيز.

(العنف) يُهذِّب نفسه ويطرق باب الاعتدال !







العنف يُهذِّب نفسه ويطرق باب الاعتدال
علي عميص(*)






إذا كان هناك من يريد - فعلاً - معالجة ظاهرة ما يُسمّى (الإرهاب) توطئةً لوضع حدٍ لهذه الأزمة العالميّة، فإن أبواباً طبيعيّة يُمكن الدخول منها للخروج من هذا الواقع الخطير!

إن هذه الحالة وإن كانت ملتبسة وكثيرة التداخُّل والتعقيد في كثير من المواقف، إلاّ أن النظر فيها بدقّة للوقوف على الوقائع التي حدثت مع ربطها بمكانها وزمانها وشخوصها والعوامل المؤثرة فيها، كلها مجتمعة تُمكِّن من وضع الإصبع على الجرح وتشخيص العلل ومنع تفاقمها وصولاً للبرء منها.

وليس هناك ما يدعو للتوجُّس من نيّات بعض الشباب المسلم الملتزم قضايا دينه ما دامت الدولة قادرة وصاحبة الأمر والنهي ولها أجهزتها الرقابيّة القائمة، وليس ما يدعو - بالمقابل - هؤلاء الشباب إلى سلوك طريق الاعتداء ما دام مجال التعبير عن الذات والقناعات متاحاً في إطار القوانين المرعيّة الإجراء.

نعم، هناك شباب مسلم يميل إلى العنف في سلوكه الاجتماعي ويلجأ للقوة غير القانونيَّة لتغيير واقع قائم، وإني لأذكر في هذا السياق عدّة مواقف كنت شاهداً عليها في فترات زمنيَّة مختلفة.

في منتصف ثمانينيات القرن العشرين اشتد عود بعض الشباب المتحمِّس إثر (التزام ديني) مستجد وفي بيئة كانت بعيدة عن الأجواء الدينيّة المحافظة في دولة إسلامية بعد ما ألمَّ بها من تأثُّر بادٍ بعادات وأنماط عيش أجنبيَّة، قام بعض هؤلاء الشباب بقطع التيار الكهربائي أحياناً على الحفلات الراقصة المختلطة وغير ذلك من التصرُّفات التي كانت تتم بدافع تغيير (المنكر) باليد كما يعتقدون!

تمَّ - آنذاك - إلقاء القبض على هؤلاء ومعاقبتهم مباشرة لاعتدائهم على أملاك الغير وسُجنوا (دون تنكيل أو تعذيب) وقد خرجوا - فعلاً - أكثر هدوءاً وتعقُّلاً مقتنعين تماماً أن أسلوبهم كان خاطئاً وأن عقابهم كان مستحقاً، كان هدفهم كما قالوا (درء المفاسد) عن أهل بلدتهم، لكن أسلوبهم تُرجم على أنه فعل اعتداء واضح، على أن هدفهم قد تحقق فيما بعد، لكن ليس بفضل قوة (عضلاتهم)، بل بفضل الحراك الاجتماعي الطبيعي، فقد راح إقبال الناس على التديُّن يزداد، ظهر هذا في المساجد والمدارس وأغطية رؤوس النساء وعودة بعض العادات الإسلاميّة التي تبنَّاها الناس باقتناع والتزام.

هؤلاء الشباب كانت لهم أدوار أخرى، عبّروا عن أنفسهم أيضاً بطرق متعددة، كنتَ تراهم في تلك الفترة يطلقون لحاهم ويحملون سواكاً، يلبسون العباءات أحياناً ولا يصافحون النساء لأنها كانت تشكل موقف تحدٍ من قِبلهم في وجه المجتمع بأسره ومنه الأهل والأقارب، وإني لأذكر في تلك الأيام كم كان يعاني الشاب (الملتزم) في أول طلعته إذا ما أراد أن يترك لحيته، كان لا بد له من مواجهة مع المجتمع تنسحب على كل تفاصيل حياته.

هؤلاء الشباب حاولوا بشدّة، في تلك الأيام محاربة ما اعتبروه بدعاً وانحلالاً فقاطعوا الاستماع إلى الموسيقى والغناء وكذلك الأفراح المختلفة وغير ذلك من السلوكيّات الخاطئة، لكنهم بالمقابل أيضاً لم ينتهجوا السلبية المطلقة في هذا الموضوع بل أوجدوا البدائل، فهناك الأناشيد الإسلاميّة والحماسيّة، وكذلك الأفراح الإسلامية التي تراعي حدود الشريعة، أقاموا المهرجانات التكريميّة بمناسبات دينيّة واجتماعية وتربويّة وغيرها.. وهكذا وجدوا ما يعبِّرون به عن أنفسهم ويخدمون به معتقدهم بأكثر من وسيلة بعيداً عن العنف والاعتداء.

مرَّت الأيام وقد صار هؤلاء الشباب رجالاً وأصحاب عائلات، نجح معظمهم في إنشاء أُسر متعلمة ومُنتجة، كما نجحوا في التأثير على محيطهم الاجتماعي بشكل إيجابي، ولمّا شُرّعت أمامهم أبواب المشاركة في الانتخابات ترشيحاً واقتراعاً فاز بعض هؤلاء الرجال بمراكز مرموقة، وهم اليوم يواصلون الدعوة إلى الله وإنك لتراهم راضين عمّا يفعلون.

(*)كاتب وصحافي لبناني
omaisali2000@gmail.com

عرض حول شركة AMT Business communication

المتابعون