الخميس، 17 فبراير 2011

(العنف) يُهذِّب نفسه ويطرق باب الاعتدال !







العنف يُهذِّب نفسه ويطرق باب الاعتدال
علي عميص(*)






إذا كان هناك من يريد - فعلاً - معالجة ظاهرة ما يُسمّى (الإرهاب) توطئةً لوضع حدٍ لهذه الأزمة العالميّة، فإن أبواباً طبيعيّة يُمكن الدخول منها للخروج من هذا الواقع الخطير!

إن هذه الحالة وإن كانت ملتبسة وكثيرة التداخُّل والتعقيد في كثير من المواقف، إلاّ أن النظر فيها بدقّة للوقوف على الوقائع التي حدثت مع ربطها بمكانها وزمانها وشخوصها والعوامل المؤثرة فيها، كلها مجتمعة تُمكِّن من وضع الإصبع على الجرح وتشخيص العلل ومنع تفاقمها وصولاً للبرء منها.

وليس هناك ما يدعو للتوجُّس من نيّات بعض الشباب المسلم الملتزم قضايا دينه ما دامت الدولة قادرة وصاحبة الأمر والنهي ولها أجهزتها الرقابيّة القائمة، وليس ما يدعو - بالمقابل - هؤلاء الشباب إلى سلوك طريق الاعتداء ما دام مجال التعبير عن الذات والقناعات متاحاً في إطار القوانين المرعيّة الإجراء.

نعم، هناك شباب مسلم يميل إلى العنف في سلوكه الاجتماعي ويلجأ للقوة غير القانونيَّة لتغيير واقع قائم، وإني لأذكر في هذا السياق عدّة مواقف كنت شاهداً عليها في فترات زمنيَّة مختلفة.

في منتصف ثمانينيات القرن العشرين اشتد عود بعض الشباب المتحمِّس إثر (التزام ديني) مستجد وفي بيئة كانت بعيدة عن الأجواء الدينيّة المحافظة في دولة إسلامية بعد ما ألمَّ بها من تأثُّر بادٍ بعادات وأنماط عيش أجنبيَّة، قام بعض هؤلاء الشباب بقطع التيار الكهربائي أحياناً على الحفلات الراقصة المختلطة وغير ذلك من التصرُّفات التي كانت تتم بدافع تغيير (المنكر) باليد كما يعتقدون!

تمَّ - آنذاك - إلقاء القبض على هؤلاء ومعاقبتهم مباشرة لاعتدائهم على أملاك الغير وسُجنوا (دون تنكيل أو تعذيب) وقد خرجوا - فعلاً - أكثر هدوءاً وتعقُّلاً مقتنعين تماماً أن أسلوبهم كان خاطئاً وأن عقابهم كان مستحقاً، كان هدفهم كما قالوا (درء المفاسد) عن أهل بلدتهم، لكن أسلوبهم تُرجم على أنه فعل اعتداء واضح، على أن هدفهم قد تحقق فيما بعد، لكن ليس بفضل قوة (عضلاتهم)، بل بفضل الحراك الاجتماعي الطبيعي، فقد راح إقبال الناس على التديُّن يزداد، ظهر هذا في المساجد والمدارس وأغطية رؤوس النساء وعودة بعض العادات الإسلاميّة التي تبنَّاها الناس باقتناع والتزام.

هؤلاء الشباب كانت لهم أدوار أخرى، عبّروا عن أنفسهم أيضاً بطرق متعددة، كنتَ تراهم في تلك الفترة يطلقون لحاهم ويحملون سواكاً، يلبسون العباءات أحياناً ولا يصافحون النساء لأنها كانت تشكل موقف تحدٍ من قِبلهم في وجه المجتمع بأسره ومنه الأهل والأقارب، وإني لأذكر في تلك الأيام كم كان يعاني الشاب (الملتزم) في أول طلعته إذا ما أراد أن يترك لحيته، كان لا بد له من مواجهة مع المجتمع تنسحب على كل تفاصيل حياته.

هؤلاء الشباب حاولوا بشدّة، في تلك الأيام محاربة ما اعتبروه بدعاً وانحلالاً فقاطعوا الاستماع إلى الموسيقى والغناء وكذلك الأفراح المختلفة وغير ذلك من السلوكيّات الخاطئة، لكنهم بالمقابل أيضاً لم ينتهجوا السلبية المطلقة في هذا الموضوع بل أوجدوا البدائل، فهناك الأناشيد الإسلاميّة والحماسيّة، وكذلك الأفراح الإسلامية التي تراعي حدود الشريعة، أقاموا المهرجانات التكريميّة بمناسبات دينيّة واجتماعية وتربويّة وغيرها.. وهكذا وجدوا ما يعبِّرون به عن أنفسهم ويخدمون به معتقدهم بأكثر من وسيلة بعيداً عن العنف والاعتداء.

مرَّت الأيام وقد صار هؤلاء الشباب رجالاً وأصحاب عائلات، نجح معظمهم في إنشاء أُسر متعلمة ومُنتجة، كما نجحوا في التأثير على محيطهم الاجتماعي بشكل إيجابي، ولمّا شُرّعت أمامهم أبواب المشاركة في الانتخابات ترشيحاً واقتراعاً فاز بعض هؤلاء الرجال بمراكز مرموقة، وهم اليوم يواصلون الدعوة إلى الله وإنك لتراهم راضين عمّا يفعلون.

(*)كاتب وصحافي لبناني
omaisali2000@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون